ضغوط التكاليف تفاقم أزمة الناشرين في مصر

يشهد قطاع النشر في مصر تحولاً هيكلياً كبيراً، في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الورق والطباعة، وتقلبات أسعار الصرف، وارتفاع أسعار الطاقة، وهي عوامل تعيد رسم المعادلات الاقتصادية التقليدية للقطاع. ويؤكد خبراء الصناعة أن الأزمة الحالية تتجاوز بكثير مجرد ارتفاع أسعار الكتب، إذ تعيد تشكيل سلسلة القيمة بأكملها، بدءاً من المطابع ودور النشر، مروراً بالموزعين والمكتبات، وصولاً إلى المستهلك النهائي.
أدى الارتفاع الحاد في أسعار مستلزمات الإنتاج المستوردة إلى جعل إصدار الكتب الجديدة مشروعاً ينطوي على مخاطر مرتفعة. ووفقاً لبيانات شعبة الورق والكرتون التابعة لغرفة الصناعات الكيماوية باتحاد الصناعات المصرية (FEI)، تستهلك مصر سنوياً ما بين 400 ألف و450 ألف طن من ورق الطباعة والكتابة.
ويعتمد الإنتاج المحلي بصورة رئيسية على شركتي مصر إدفو للورق وقنا لصناعة الورق (QPIC)، وهما من أكبر منتجي الورق في مصر. وتؤدي الشركتان دوراً استراتيجياً مهماً في التخفيف من حدة أزمة الورق في البلاد، إذ تنتجان ما بين 120 ألف و150 ألف طن سنوياً باستخدام تفل قصب السكر كمادة خام.
ومع ذلك، لا يزال السوق يعاني عجزاً هيكلياً، حيث تغطي الواردات الأجنبية ما بين 65% و70% من احتياجات السوق المحلية، ما يجعل أسعار الكتب مرتبطة بشكل وثيق بتقلبات أسعار الصرف العالمية وتحركات أسعار الورق في الأسواق الدولية.
دفعت الضغوط المالية العديد من دور النشر الصغيرة إلى تقليص حجم عملياتها أو الانسحاب من السوق بالكامل. وفي المقابل، تعمل المؤسسات الأكبر على توسيع حصتها السوقية، مستفيدة من قدراتها المالية لشراء الورق بكميات كبيرة وتشغيل شبكات توزيع مستقلة.
ولضمان الاستمرار، أصبح الناشرون يعتمدون بصورة متزايدة على الفعاليات والمعارض الكبرى في القطاع لتوفير السيولة. وقد تحول معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى شريان مالي رئيسي لصناعة النشر، حيث تحقق دور النشر الصغيرة والمتوسطة ما بين 50% و70% من إجمالي مبيعاتها السنوية خلال فترة المعرض.
وفي مواجهة هذه التحديات، يتجه القطاع نحو تبني نماذج تشغيل أكثر حداثة. ويدعو قادة الصناعة إلى إجراء تحولات هيكلية تشمل الاعتماد على طبعات ورقية محدودة الكميات، مدعومة بصيغ رقمية وصوتية متكاملة.
ولضمان استدامة القطاع على المدى الطويل، يطالب أصحاب المصلحة أيضاً بتدخل حكومي يتضمن خفض الضرائب، وتقليص الرسوم الجمركية على مستلزمات الطباعة، وزيادة مشتريات الدولة من الكتب لصالح المكتبات العامة، إلى جانب تشديد إجراءات مكافحة قرصنة المحتوى وحماية حقوق الملكية الفكرية.




