
السويد، وتراجع مهارات القراءة، وإعادة تقييم التعليم الرقمي الكامل
إذا قمت بزيارة المدارس السويدية اليوم، ستجد المعلمين يعيدون اكتشاف الفنون القديمة للكتب المطبوعة والقراءة الصامتة وممارسة الكتابة اليدوية. وقد اتضح أن الطلاب يتذكرون معلومات أقل عند القراءة من شاشات ساطعة مقارنة بقراءة النص نفسه على ورق حقيقي.
لا يمكن النظر إلى مراجعة سياسة التعليم في السويد في عامي 2022 و2023 على أنها مجرد تعديل إداري أو سياسي. بل إنها تمثل إعادة نظر أعمق في العلاقة بين التكنولوجيا والدماغ البشري والتعلم. وقد اتجهت دولة، كانت في يوم من الأيام من بين الدول الرائدة في رقمنة التعليم، الآن نحو تعزيز دور الكتب المطبوعة والقراءة غير المتصلة بالإنترنت والكتابة اليدوية في المراحل الدراسية المبكرة. لا يعد هذا التحول رفضًا للتكنولوجيا، بل استجابة قائمة على البيانات لسؤال جوهري: هل يمكن ربط الاستخدام الواسع النطاق وغير المنظم للأدوات الرقمية بتراجع جودة القراءة والكتابة؟
للإجابة عن هذا، علينا أن نأخذ في الاعتبار السياق التاريخي. خلال عقد 2010، اتجهت السويد بسرعة نحو استبدال الكتب المطبوعة بالمحتوى الرقمي من خلال مبادرات “طالب واحد – جهاز واحد”. وتم تجهيز المدارس بالأجهزة اللوحية والحواسيب المحمولة، ونُقلت الواجبات المدرسية إلى الإنترنت، وأُجريت أجزاء من التقييمات رقميًا. افترض صناع القرار أن الوصول الأسرع إلى المعلومات وزيادة الجاذبية البصرية من شأنهما تحسين جودة التعلم. ولكن بعد عدة سنوات، بدأت تظهر علامات وجود فجوة بين التوقعات والواقع.
أشارت نتائج برنامج التقييم الدولي للطلبة PISA 2018 وPISA 2022، الذي أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حدوث تراجع عالمي في متوسط درجات القراءة، مما يشير إلى انخفاض مستوى الكفاءة القرائية لدى الطلاب في عدد كبير من الدول المشاركة مقارنة بالدورات السابقة. وقد قُدّر أن الانخفاض الذي بلغ حوالي 10 نقاط في متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يعادل خسارة ما يقرب من ثلث عام دراسي. وفي السويد، على الرغم من أن الأداء ظل أفضل من بعض البلدان، فقد لوحظت زيادة مقلقة في عدد الطلاب الذين تقل كفاءتهم في القراءة عن المستوى الأساسي. كما أشارت التقارير التكميلية للمنظمة إلى أن الطلاب الذين يقضون وقتاً طويلاً في استخدام الأدوات الرقمية لأغراض ترفيهية يميلون إلى أداء أضعف في القراءة. وعلى الرغم من أن ذلك يوضح وجود ارتباط وليس علاقة سببية، إلا أن هذا الارتباط القوي كان كافيًا لإثارة نقاش جاد بشأن تلك السياسات.
لتحليل أعمق، يجب أن نلجأ إلى الآليات المعرفية. فالقراءة مهارة ثقافية لم يتطور الدماغ البشري من أجلها بشكل طبيعي؛ بدلاً من ذلك، تمت “إعادة توظيف” الشبكات العصبية الموجودة للرؤية واللغة من أجل القراءة. وتتطلب هذه الشبكات انتباهًا مستمرًا ومعالجة خطية وبناء خرائط ذهنية للنص. وتُظهر تحليلات ميتا مثل دراسة ديلجادو وآخرون (2018)، التي فحصت أكثر من 170000 مشارك، أن فهم القراءة يكون أعلى بكثير مع المواد المطبوعة مقارنة بالمواد الرقمية، وخاصة بالنسبة للنصوص الطويلة أو التحليلية أو ذات الوقت المحدود. وغالبًا ما يتم تفسير ذلك من خلال “فرضية التسطح الرقمي”: البيئات الرقمية، بسبب طبيعتها الملاحية والمتعددة المهام التي تشجع على المعالجة السطحية.
تشير دراسات تتبع حركة العين أن قراءة الشاشة غالبًا ما تشمل التصفح السريع. ويوضح نمط F المعروف الذي لوحظ في أبحاث تجربة المستخدم أن القراء عبر الإنترنت يميلون إلى قراءة السطور الأولى بعناية ثم ينتقلون بسرعة وبشكل انتقائي عبر النص. في المقابل، تشجع الكتب المطبوعة أنماط قراءة أكثر تسلسلًا وعمقًا. بالإضافة إلى ذلك، تساعد العناصر المادية مثل سمك الصفحة وموقع الفقرة في إنشاء نقاط ارتكاز مكانية للذاكرة. وتضعف هذه الروابط في البيئات الرقمية التي تعتمد على التمرير.
ومن منظور نظرية العبء المعرفي، يمكن للشاشات أن تزيد من العبء المعرفي الخارجي. حتى بدون إشعارات فعّالة، يظل المستخدمون على دراية بالانقطاعات المحتملة. إن “الاستعداد للانقطاع” هذا يشغل سعة الذاكرة العاملة ويجعل التركيز العميق أكثر صعوبة. تشير الأبحاث المتعلقة بتعدد المهام أن التبديل المستمر بين المهام ينطوي على تكاليف معرفية ويمكن أن يقلل من جودة معالجة المعلومات.
كما يوجد دليل تجريبي قوي في مجال الكتابة. أوضح مولر وأوبنهايمر (2014) أن الطلاب الذين يدونون ملاحظاتهم على أجهزة الحواسيب المحمولة يسجلون كلمات أكثر ولكن أداءهم أسوأ في الاختبارات المفاهيمية مقارنة بالذين يكتبون بخط اليد. تتيح الكتابة على الحاسوب نسخ النصوص حرفيًا، بينما تجبر الكتابة اليدوية على المعالجة والتلخيص وإعادة البناء المفاهيمي. تشير دراسات التصوير العصبي إلى أن الكتابة اليدوية تنشط مناطق حركية ولغوية أوسع وتبني روابط عصبية أكثر متانة.
ولكن، يجب أن يعترف التحليل العادل بالقيود. تشير بعض الدراسات إلى أن الفجوة بين القراءة المطبوعة والرقمية تضيق، خاصةً مع اكتساب القراء المزيد من الخبرة الرقمية. كما أن جودة تصميم المحتوى مهمة؛ فالكتاب الإلكتروني البسيط ذو الحد الأدنى من المشتتات يختلف كثيرًا عن صفحة الويب المليئة بالروابط والإعلانات. وبالتالي، فإن الأمر ليس ببساطة “الرقمي مقابل المطبوع”، بل التصميم المعرفي لبيئة التعلم.
من منظور السياسات، يمكن اعتبار قرار السويد محاولة لاستعادة التوازن. فقد أعلنت الحكومة أنه في المراحل الدراسية المبكرة، يجب أن تكون الكتب المطبوعة هي أداة التعلم الأساسية، وأن يكون استخدام الشاشات مناسبًا للفئة العمرية. كما تم تخصيص تمويل كبير لتوفير الكتب المدرسية المطبوعة. وإلى جانب الاعتبارات المعرفية، لعبت العوامل الاقتصادية دورًا أيضًا: فصيانة وتحديث الأجهزة الرقمية مكلفة، بينما تتمتع الكتب المطبوعة بدورات حياة أطول وأكثر قابلية للتنبؤ.
نهج عالمي
إن تجربة السويد ليست حالة معزولة. في الولايات المتحدة، وبعد موجات من “المدارس غير الورقية”، أعادت بعض المناطق الاستثمار في الكتب المدرسية المطبوعة. وفي فرنسا، تم منع استخدام الهواتف المحمولة في المدارس الابتدائية والإعدادية. وفي فنلندا، بالرغم من البنية التحتية الرقمية المتقدمة، لا تزال الكتب المطبوعة تلعب دورًا محوريًا في التعليم المبكر. أما في كوريا الجنوبية، أثيرت مخاوف بشأن إدمان الشاشات والإرهاق المعرفي بين الطلاب. وتشير هذه التطورات إلى وجود مشكلة عالمية متجذرة في الحدود البيولوجية للدماغ البشري في معالجة المعلومات.
إذًا، هل يوجد رابط بين تراجع مستوى معرفة القراءة والكتابة واستخدام الأدوات الرقمية؟ تشير الأدلة الحالية إلى وجود علاقة مشروطة وارتباطية. يمكن أن يؤدي الاستخدام المحدود والهادف والمصمم جيدًا للتكنولوجيا إلى تحسين الأداء. على أي حال، إن الاستخدام الواسع النطاق وغير المنظم والاستبدال الكامل للكتب والكتابة اليدوية في السنوات الأولى مرتبط بانخفاض مؤشرات القراءة العميقة والكتابة التحليلية – والآليات المعرفية التي تدعم هذا الارتباط معقولة. كما تمثل تجربة السويد شكلاً من أشكال “نضج السياسات”، حيث يفسح الحماس المبكر للرقمنة المجال للتحليل القائم على البيانات والاهتمام بالحدود المعرفية البشرية.
خلاصة الأمر
من المرجح أن يكون مستقبل التعليم ليس رقميًا بالكامل ولا تقليديًا بالكامل. ويكمن التحدي الحقيقي في تصميم نظام بيئي تعمل فيه التكنولوجيا على تعزيز المعرفة الأساسية بدلاً من استبدالها. إذا ضعفت أسس القراءة المتعمقة والكتابة التحليلية، فلن تتمكن حتى أكثر الأدوات الرقمية تطورًا من تعويض ذلك. وتشير التجربة السويدية إلى أن التعليم، قبل أن يكون قضية تكنولوجية، هو في الأساس مسألة إدراك بشري.
المصادر
OECD. (2023). PISA 2022 Results (Volume I): The State of Learning and Equity in Education. Paris: OECD Publishing.
Delgado, P., Vargas, C., Ackerman, R., & Salmerón, L. (2018). Don’t throw away your printed books: A meta-analysis on the effects of reading media on reading comprehension. Educational Research Review, 25, 23–38.
Mueller, P. A., & Oppenheimer, D. M. (2014). The pen is mightier than the keyboard: Advantages of longhand over laptop note taking. Psychological Science, 25(6), 1159–1168.
Mangen, A., Walgermo, B. R., & Brønnick, K. (2013). Reading linear texts on paper versus computer screen: Effects on reading comprehension. International Journal of Educational Research, 58, 61–68.
OECD. (2015). Students, Computers and Learning: Making the Connection. Paris: OECD Publishing.
Katzir, T., & Paré-Blagoev, E. J. (2006). Applying cognitive neuroscience research to education: The case of literacy. Educational Psychologist, 41(1), 53–61.
Carr, N. (2010). The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains. W.W. Norton & Company.




