يمثل الإعلان عن إغلاق عمليات أوفنباخ التابعة لشركة Manroland Sheetfed أكثر من مجرد فشل شركة؛ إنه لحظة رمزية للهندسة الألمانية، وصناعة معدات الطباعة العالمية، ومستقبل هيكل طباعة الأوفست. ووفقًا للتقارير، سيتم إغلاق مصنع أوفنباخ بشكل نهائي في 1 يونيو 2026، بعد إجراءات إعسار وقائي، وفشل محادثات المستثمرين، وتراجع حاد في الطلب الصيني، وخسائر بلغت 43.2 مليون يورو في عام 2025، إلى جانب فقدان نحو 748 وظيفة.
إشارة تحذيرية للصناعة الألمانية
يأتي انهيار مانرولاند في توقيت حساس لألمانيا، حيث يتعرض نموذجها الصناعي لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، وضعف الطلب على الصادرات، وعدم اليقين الجيوسياسي، والتعريفات الجمركية، والمنافسة الشديدة من آسيا. وتشير البيانات الحديثة إلى تجدد الضعف في القطاع الصناعي الألماني؛ إذ أفادت Reuters بانكماش نشاط القطاع الخاص في ألمانيا خلال أبريل 2026، مع تراجع حاد في ثقة الأعمال وسط حالة عدم اليقين المرتبطة بالحروب وضغوط أسعار الطاقة.
تكتسب هذه التطورات أهميتها لأن شركات مثل Manroland Sheetfed بُنيت على المعادلة الألمانية الكلاسيكية: هندسة عميقة، مهارات عمالية عالية، تصنيع دقيق، دورات إنتاج طويلة، واعتماد قوي على الطلب التصديري. هذه المعادلة تنجح عندما تكون الأسواق العالمية مستقرة ويستثمر العملاء في معدات رأسمالية مرتفعة التكلفة، لكنها تبدأ في الانهيار عندما يؤجل أصحاب المطابع استثماراتهم، ويضعف الطلب في الصين، وترتفع تكاليف التمويل، وتعجز شركات تصنيع الآلات عن توزيع تكاليف البحث والتطوير والمصانع على عدد كافٍ من مبيعات المكائن الجديدة.
ومن هذا المنطلق، فإن أوفنباخ ليست مجرد إغلاق مصنع، بل دليل واضح على أن حتى العلامات الألمانية العريقة في مجال تصنيع المعدات يمكن أن تصبح عرضة للمخاطر عندما يضيق نطاق أسواقها بشكل كبير.
الثقل التاريخي لشركة مانرولاند
تزداد مأساة الإغلاق عمقًا لأن Manroland Sheetfed لم تكن لاعبًا هامشيًا في السوق. تعود جذور الشركة إلى Faber & Schleicher التي تأسست في أوفنباخ عام 1871، وقد طوّرت أول ماكينة أوفست شيتفِد من طراز “رولاند” في عام 1911. وتشمل محطات تاريخ الشركة إطلاق ماكينة Ultra ذات الأربع ألوان في معرض drupa 1951، ثم Roland 700 في 1990، وRoland 900 في 1995، وتقنية DirectDrive في 2006، وصولًا إلى Roland 700 Evolution في 2014.
لقد أصبح اسم “Roland” نفسه جزءًا من تاريخ طباعة الأوفست. وكانت أوفنباخ واحدة من المراكز التي شهدت تطور الإرث الليثوغرافي إلى تكنولوجيا الأوفست الصناعية. وتشير السجلات التاريخية للمدينة إلى أن Faber & Schleicher وخلفاءها كانوا في طليعة الابتكار، وأن آلات Roland وصلت إلى المطابع في مختلف قارات العالم.
لذلك، فإن هذا الإغلاق لا يمثل مجرد اختفاء موقع إنتاجي واحد، بل هو نهاية أحد أهم معاقل هندسة طباعة الأوفست الشيتفِد في العالم.
هل تكنولوجيا الأوفست تموت؟
لا. هذا استنتاج خاطئ.
ما يختفي هو نموذج الأعمال القديم القائم على بيع أعداد كبيرة من المكائن الميكانيكية الثقيلة إلى سوق الطباعة التجارية الواسعة. أما تكنولوجيا الأوفست نفسها فلا تزال ذات أهمية كبيرة، خصوصًا في مجالات التغليف، والكرتون القابل للطي، والطباعة التجارية ذات الكميات الكبيرة، والملصقات، والطباعة الأمنية.
مستقبل الأوفست سيكون أضيق نطاقًا لكنه أكثر تطورًا، وسيقوده:
• قطاع التغليف بدلًا من الطباعة التجارية العامة؛
• الأتمتة بدلًا من الاعتماد على المهارة اليدوية فقط؛
• تقليل زمن الإعداد (makeready) وتقليل الهدر؛
• سير عمل هجين يجمع بين الأوفست والطباعة الرقمية والطلاءات والتذهيب (الفويل) وأنظمة الفحص والتشطيب؛
• إنتاج قائم على البيانات مع صيانة تنبؤية.
هذا التحول يظهر بالفعل في استراتيجيات المنافسين الذين ما زالوا صامدين في السوق. فقد ركّزت شركة Koenig & Bauer خلال معرض drupa على حلول متكاملة للتغليف من البداية إلى النهاية، إلى جانب الأتمتة والحلول الرقمية، مع أداء لماكينات Rapida الشيتفِد يصل إلى 22,000 ورقة في الساعة. كما شددت Heidelberg على نمو قطاع التغليف وتقنيات الأوفست الشيتفِد عالية الإنتاجية، بما في ذلك تحقيق مبيعات قوية في معرض China Print 2025، والتوسع في فئة الماكينات كبيرة الحجم جدًا (VLF) لخدمة تطبيقات التغليف.
في المقابل، تشهد الطباعة الرقمية نموًا ملحوظًا، خاصة في الطلبيات القصيرة، والتخصيص، والملصقات، والتغليف المرن. ومع ذلك، لم تحل الطباعة الرقمية محل الأوفست على المستوى الصناعي واسع النطاق. وتشير تحليلات معرض drupa نفسه إلى أن تبني الطباعة الرقمية في التغليف آخذ في الازدياد، لكن الاعتماد واسع النطاق من قبل العلامات التجارية الكبرى لا يزال أبطأ مما كان متوقعًا.
لذلك، فإن المستقبل ليس «رقمي مقابل أوفست»، بل هو أوفست مؤتمت مدعوم بالطباعة الرقمية في الحالات التي تكون فيها الأخيرة أكثر جدوى اقتصادية.
لماذا فشلت مانرولاند رغم قوة التكنولوجيا؟
كانت الصين تمثل في وقتٍ ما نحو 40% من إيرادات Manroland Sheetfed، وكان انهيار هذا السوق ضربة قاسية للشركة. كما يشير بيان إعادة الهيكلة الخاص بها إلى تقلص حاد في سوق ماكينات الطباعة الجديدة، وتراجع الطلب في الصين كأسباب رئيسية، مع تأكيد تسجيل خسائر بلغت 43.2 مليون يورو في عام 2025.
هذا يدل على أن المشكلة لم تكن ضعفًا تقنيًا. فمكائن مانرولاند كانت محل تقدير واسع. المشكلة كانت استراتيجية وهيكلية:
اعتمدت الشركة بشكل مفرط على سوق يتقلص لبيع المكائن الجديدة، وكانت مكشوفة بدرجة كبيرة على السوق الصيني، إضافة إلى الأعباء العالية لتشغيل مجمع صناعي ألماني ضخم ومتكامل. فقد كان موقع أوفنباخ يضم المقر الرئيسي، وقاعات الإنتاج، ومسبكًا، ومراكز للبحث والتطوير، والتدريب، وتقنيات الطباعة، على مساحة تقارب 114 ألف متر مربع. هذا النوع من البنية الصناعية مثير للإعجاب، لكنه يصبح عبئًا خطيرًا عندما تنخفض أحجام المبيعات.
فمصنع بحجم أوفنباخ يحتاج إلى تدفق مستمر من الطلبات. ومع غياب عدد كافٍ من طلبيات المكائن الجديدة، تتحول حتى أعلى مستويات التميز إلى تكلفة مرتفعة يصعب تحملها.
التأثير على المطابع في الشرق الأوسط
بالنسبة لمطابع الشرق الأوسط، يحمل إغلاق Manroland Sheetfed تداعيات عملية مهمة، خاصة للشركات التي تشغّل ماكينات Roland 700 وRoland 900 وRoland 900 XXL.
أول مصدر قلق هو قطع الغيار. إذا تم بيع قطاع الخدمة وقطع الغيار واستمر تشغيله بشكل منظم، يمكن للأسطول المركّب أن يستمر لسنوات. هذا النشاط قد يجذب مستثمرين بالفعل. لكن حالة عدم اليقين ستؤثر فورًا على ثقة السوق، وقد تدفع المطابع إلى شراء قطع حيوية مسبقًا، مثل الإلكترونيات، والماسكات (grippers)، والبكرات، والمحامل، وأجزاء التغذية والتسليم، ولوحات التحكم، والوحدات الخاصة.
ثانيًا، هناك قيمة إعادة البيع. قد تتعرض ماكينات مانرولاند المستعملة في المنطقة لضغط سعري، إذا خشي المشترون من صعوبات مستقبلية في الصيانة والدعم. لن تصبح هذه الماكينات بلا قيمة، لكنها ستنقل ميزان التفاوض لصالح المشترين.
ثالثًا، الاعتماد على خدمات الصيانة. تعتمد مطابع الشرق الأوسط غالبًا على فنيين خارجيين وقطع مستوردة. أي تأخير أو خلل في هيكل خدمات ما بعد الإغلاق قد يؤدي إلى فترات توقف أطول، وتكاليف إصلاح طارئة أعلى، وزيادة الاعتماد على مهندسين مستقلين.
رابعًا، نفسية الاستثمار. أي مطبعة تغليف في دول مثل السعودية أو الإمارات أو إيران أو مصر أو تركيا أو العراق تفكر في شراء ماكينة أوفست جديدة (B1 أو VLF) ستكون الآن أكثر ميلًا لاختيار موردين مثل Heidelberg أو Koenig & Bauer أو Komori أو RMGT أو حتى بدائل صينية، وذلك حسب الميزانية وتوفر الدعم الفني. وحتى لو بقيت تكنولوجيا مانرولاند قوية، فإن الخوف من «تقنية يتيمة» (orphaned technology) سيؤثر سلبًا على المبيعات المستقبلية.
ما الذي يجب على مطابع الشرق الأوسط فعله الآن
على المطابع التي تشغّل معدات Manroland Sheetfed أن تتصرف بهدوء ولكن بسرعة.
ينبغي إجراء تدقيق شامل للمكائن الموجودة، وتحديد الأجزاء الحرجة القابلة للاهتراء والمكونات الإلكترونية، وتأمين مخزون من قطع الغيار يكفي لمدة سنة إلى سنتين، والتأكد من الجهة التي ستتولى قانونيًا التزامات الصيانة بعد الإغلاق. كما يجب توثيق إصدارات البرمجيات، والمخططات الكهربائية، وسجلات الصيانة، وبيانات الاتصال بالفنيين المحليين.
أما بالنسبة للاستثمارات الجديدة، فالنصيحة واضحة: شراء ماكينة مانرولاند جديدة في الوقت الحالي ينطوي على مخاطر، ما لم يتم ضمان استمرارية خدمات الصيانة وقطع الغيار بشكل تعاقدي من جهة موثوقة. وفيما يخص المعدات المستعملة، فقد تظل خيارًا مناسبًا إذا كان السعر منخفضًا بما يكفي، وكان لدى المشتري قدرة تقنية قوية لإدارتها.
نهاية نموذج صناعي تاريخي
إن إغلاق مصنع أوفنباخ التابع لشركة Manroland Sheetfed لا يعني نهاية طباعة الأوفست، بل نهاية نموذج صناعي تاريخي.
ستستمر الأوفست في المجالات التي تحقق فيها إنتاجية عالية، وتعتمد على الأتمتة، وتركّز على التغليف، وتندمج ضمن أنظمة تشغيل ذكية. لكن السوق لم يعد يتسع لجميع مصنّعي المكائن الأوروبيين التقليديين للحفاظ على مصانع كبيرة ومكلفة مع الاعتماد على طلب تصديري متقلب.
بالنسبة للشرق الأوسط، الدرس عملي وواضح: لا تزال مكائن مانرولاند قوية وقادرة، لكن مخاطر الملكية ارتفعت. وعلى المطابع أن تحمي نفسها من خلال التخطيط لقطع الغيار، وإبرام اتفاقيات صيانة، واتباع استراتيجية استثمار دقيقة.
المعنى الأعمق هو أن هندسة الأوفست الألمانية لم تنتهِ، لكن عصرها الذهبي القائم على الهيمنة الصناعية الواسعة قد انتهى. المستقبل سيكون لعدد أقل من المصنّعين، ولمصانع أكثر ذكاءً، وطلب يقوده قطاع التغليف، ولمطابع تتعامل مع التكنولوجيا ليس كرمز للهيبة، بل كمخاطر تجارية يجب إدارتها والتحكم بها.
