كيف أشعلت طباعةٌ سرّية شرارةَ الثورة الجزائرية؟

تحتلّ قرية إغيل إيمولا الجزائرية، التابعة لبلدية تيزي نثلاثة، مكانةً بارزة في تاريخ البلاد. ففيها طُبع سرّاً بيان أول نوفمبر 1954، الوثيقة التأسيسية لحرب التحرير الجزائرية، وأُعدّ للتوزيع في أنحاء البلاد.

وبحسب الروايات التاريخية، وقع الاختيار على القرية لتنفيذ هذه العملية الحسّاسة بفضل شبكة واسعة من الوطنيين المخلصين وتوافر مسالك آمنة للانسحاب عند الضرورة. وكان ثمة عامل حاسم من الناحية الفنية، إذ كانت إغيل إيمولا آنذاك من القرى القليلة التي تتمتّع بإمداد مستقرّ بالكهرباء، وهو شرط أساسي لتشغيل معدات الطباعة.

اقتضت العملية سرّية تامّة. وتشير السجلات التاريخية إلى أن القائد الثوري كريم بلقاسم، الذي كان يتولّى قيادة منطقة القبائل، سلّم الصيغة النهائية للبيان، التي أعدّتها «مجموعة الستة» التاريخية، إلى مساعده علي زعموم، ابن قرية إغيل إيمولا. ولضمان سرّية المهمة، اقتيد الصحافي والمناضل محمد العيشاوي، الذي صاغ المسوّدة الأولى لبيان الاستقلال، إلى القرية معصوب العينين. وهناك كُلّف بتنسيق نصّ الوثيقة المؤلّفة من صفحتين وكتابته على الآلة الكاتبة. وما إن قرأ النصّ حتى أدرك أنه يهيّئ للطباعة إعلاناً رسمياً للحرب.

 المنزل الذي طُبع فيه بيان أول نوفمبر

ولمواجهة التحدّيات الأمنية والفنية، وفي مقدّمتها ضجيج معدات الطباعة، نُقلت العملية إلى منزل إيدير رابح للاستفادة من اتصاله بشبكة الكهرباء. وللتغطية على صوت آلة الاستنساخ «رونيو»، ابتكر القائمون على العملية حيلةً في المتجر الواقع أسفل غرفة الطباعة. فقد نظّموا سحباً علنياً على جوائز، وشجّعوا أهالي القرية على الهتاف والاحتفال مع إعلان كل رقم فائز طوال الليل. وطغت الهتافات على صوت الآلة وصرفت انتباه الحراس الفرنسيين المتمركزين في الجوار.

وفور انتهاء الطباعة، بدأت مرحلة التوزيع. وكلّف علي زعموم أحد الرسل بتهريب نسخ البيان المطبوعة حديثاً والمراسلات السرّية إلى الجزائر العاصمة في حقيبة واحدة. ونجحت شبكة التوزيع السرّية في إيصال نصّ البيان إلى أنحاء البلاد، فتحوّل من منشور طُبع خفيةً إلى صوتٍ حشد التأييد لحركة تسعى إلى استعادة السيادة الوطنية.

وتُظهر قصة إغيل إيمولا كيف تمكّن القائمون على العملية، بآلة استنساخ واحدة وبحلول مبتكرة لمشكلات الطباعة، من تجاوز رقابة نظامٍ شديد الحراسة. وفي زمنٍ سبق التقنيات الرقمية، كانت الكلمة المطبوعة أداةً حاسمة لتعبئة الجماهير وإحداث تحوّل تاريخي.

المصدر — وكالة الأنباء الجزائرية (APS)

↑
Exit mobile version