عندما تتحول الكتب القديمة إلى مصدر لبيانات الذكاء الاصطناعي

فرصة جديدة لصناعة الطباعة... أم لا؟

أثارت عمليات شراء غامضة لكميات كبيرة من الكتب المستعملة سؤالاً مثيراً للاهتمام: هل تقوم شركات الذكاء الاصطناعي بتحويل الكتب المطبوعة إلى بيانات لتدريب نماذجها؟ وبالنسبة إلى المطابع والناشرين وقطاع الفنون الطباعية الأوسع، تكشف هذه الظاهرة عن قيمة جديدة وغير متوقعة للصفحة المطبوعة.

لسنوات، ناقشت صناعة النشر ما إذا كانت الوسائط الرقمية ستؤدي في نهاية المطاف إلى تراجع أهمية الكتب المطبوعة. أما اليوم، فيبدو أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح الكتب القديمة نوعاً جديداً تماماً من القيمة.

وقد أفاد بائعو الكتب المستعملة في المملكة المتحدة وأيرلندا والولايات المتحدة وأستراليا ودول أخرى مؤخراً بارتفاع ملحوظ في طلبات الشراء غير المعتادة بكميات كبيرة. وغالباً ما تشمل هذه الطلبات مئات، بل آلاف الكتب في موضوعات تبدو غير مترابطة، مثل الأدلة التقنية القديمة، والسير الذاتية، والروايات بلغات أجنبية، والمراجع التي تجاوزها الزمن، والمطبوعات المتخصصة التي ربما كانت ستبقى على الرفوف لسنوات.

ولا تزال هوية العديد من هؤلاء المشترين والغرض من هذه المشتريات غير واضحين. إلا أن تفسيراً واحداً يحظى باهتمام متزايد، وهو أن بعض هذه الكتب قد تكون مخصصة للتحول إلى بيانات تدريب لنماذج الذكاء الاصطناعي.

وحتى الآن، لا يوجد دليل يثبت أن جميع عمليات الشراء الغامضة بالجملة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، أظهرت وثائق قضائية تتعلق بشركة تطوير الذكاء الاصطناعي Anthropic أن فكرة قيام الشركات بشراء الكتب المطبوعة، وتحويلها إلى محتوى رقمي، ثم استخدام هذا المحتوى في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، هي بالفعل ممارسة واقعية.

ويحمل هذا التطور تداعيات مهمة على الناشرين والمطابع والمكتبات، وكذلك على صناعة الطباعة الأوسع.

تحويل ملايين الكتب إلى بيانات

أصبحت شركة Anthropic، المطورة لعائلة نماذج الذكاء الاصطناعي Claude، في صلب هذا النقاش بعدما كشفت وثائق مرتبطة بدعاوى حقوق النشر تفاصيل برنامج داخلي يعرف باسم Project Panama. ووفقاً للتقارير، أنفقت الشركة عشرات الملايين من الدولارات لشراء ملايين الكتب المطبوعة.

وقد تم شراء بعض هذه الكتب بكميات ضخمة من موردي الكتب المستعملة المعروفين. ولم يكن الهدف إنشاء مكتبة تقليدية للشركة، بل تحويل محتوى هذه الكتب إلى نصوص رقمية قابلة للقراءة والمعالجة بواسطة الآلات.

وتعتمد هذه العملية على ما يعرف باسم المسح الضوئي الإتلافي (Destructive Scanning). فبدلاً من وضع كل كتاب بعناية على ماسح ضوئي تقليدي، يمكن إزالة التجليد ميكانيكياً وفصل الصفحات، ثم تمرير الصفحات المفردة بسرعة عبر معدات مسح صناعية، ما يتيح رقمنة كميات هائلة من المواد خلال فترة قصيرة.

وأظهرت وثائق المحكمة خططاً قادرة على معالجة مئات الآلاف، وربما ملايين الكتب، خلال بضعة أشهر فقط. وبعد الانتهاء من عملية المسح، يمكن إرسال الكتب المادية إلى إعادة التدوير.

ومن منظور صناعي، تمثل هذه العملية نموذجاً عالي الكفاءة لتحويل منتج مطبوع إلى مجموعة بيانات رقمية. لكنها في الوقت نفسه تغيّر العلاقة التقليدية بين الطباعة والتكنولوجيا الرقمية. فالكتاب لم يعد مجرد وسيط ينافس المحتوى الرقمي، بل يمكن أن يصبح مادة خام تُستخدم في تطوير جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي.

لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى الكتب المطبوعة؟

تحتاج نماذج اللغة الكبيرة إلى كميات هائلة من المحتوى المكتوب لكي تتعلم اللغة وأنماط الاستدلال والحقائق وأساليب الكتابة. وقد وفّرت شبكة الإنترنت جزءاً كبيراً من هذه البيانات، إلا أن المحتوى المتاح عبر الإنترنت يطرح عدداً من التحديات.

فقد تكون صفحات الويب ضعيفة الصياغة، أو مكررة، أو غير مكتملة، أو غير دقيقة، أو قصيرة للغاية. كما أن جزءاً متزايداً من المحتوى المنشور على الإنترنت قد يكون مولداً بواسطة الذكاء الاصطناعي نفسه. وهنا تقدم الكتب المطبوعة قيمة مختلفة.

فالكتب الاحترافية تمر عادة بمراحل متعددة تشمل التأليف والتحرير والتدقيق اللغوي والتصميم والنشر قبل أن تصل إلى المطبعة. ولذلك يكون محتواها في العادة أكثر تنظيماً وترابطاً، وأطول بكثير من معظم المواد المنشورة على الإنترنت. كما قد تتضمن معلومات متخصصة لم تكن متاحة مجاناً على الشبكة في أي وقت.

وقد لا تكون لدليل هندسي قديم، أو مرجع في الكيمياء، أو كتاب تاريخي، أو دليل تقني متخصص في الطباعة، قيمة تجارية تُذكر في سوق الكتب المستعملة. لكن إذا كانت المعلومات التي يحتويها غير موجودة في قواعد بيانات إحدى شركات الذكاء الاصطناعي، فقد تتحول فجأة إلى مصدر ذي قيمة كبيرة.

ولعل الأهم من ذلك أن الكتب المطبوعة القديمة توفر شيئاً بات من الصعب ضمان توفره على الإنترنت اليوم، وهو المحتوى الذي أنشأه البشر.

فالكتاب المطبوع عام 1985 سبق ظهور ChatGPT بسنوات طويلة، كما أن دليلاً تقنياً نُشر عام 1997 لا يمكن أن يكون قد تم إنشاؤه بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الحديثة. وهذا ما يجعل المطبوعات الصادرة قبل عصر الذكاء الاصطناعي مصدراً محتملاً ذا قيمة للغة البشرية الأصيلة.

مشكلة تدريب الذكاء الاصطناعي على محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي

مع الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي التوليدي، يتم إنشاء أو إعادة صياغة جزء متنامٍ من محتوى الإنترنت باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وهذا يطرح تحدياً أمام مطوري النماذج المستقبلية: ماذا يحدث إذا بدأت نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة تعتمد بشكل متزايد في تدريبها على محتوى أنتجته نماذج ذكاء اصطناعي سابقة بدلاً من المحتوى البشري؟

وقد تناول الباحثون ظاهرة تُعرف غالباً باسم انهيار النموذج (Model Collapse)، حيث يمكن أن يؤدي التدريب المتكرر على البيانات الاصطناعية إلى تراجع تدريجي في ثراء المعلومات وتنوعها. إلا أن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد القول إن «الذكاء الاصطناعي لا يستطيع التعلم من الذكاء الاصطناعي». وتشير الأبحاث إلى أن البيانات الاصطناعية يمكن أن تكون مفيدة عندما تُدار بعناية وتُدمج مع معلومات واقعية عالية الجودة.

ومع ذلك، يعزز هذا النقاش أهمية المحتوى الموثوق الذي أنشأه البشر. ولا توجد مصادر كثيرة توفر أرشيفاً تاريخياً واضحاً للكتابة البشرية مثل الكتب المطبوعة التي صدرت قبل عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ومن هذا المنطلق، قد تتحول المستودعات المليئة بالكتب القديمة إلى ما يشبه احتياطيات ضخمة من البيانات البشرية الموثوقة.

لماذا يختار المشترون عناوين غير مألوفة؟

يُعد نمط المشتريات المبلغ عنها لافتاً بشكل خاص، إذ أفاد بائعو الكتب بأن بعض المشترين يطلبون مجموعات من العناوين التي لا تبدو مترابطة، وتشمل الزراعة والهندسة والسير الذاتية والمنشورات التاريخية وأدلة البرمجيات والروايات والكتب بلغات مختلفة.

وبالنسبة إلى بائع كتب تقليدي، قد تبدو هذه الاختيارات عشوائية. أما بالنسبة إلى شركة ذكاء اصطناعي تعمل على بناء مجموعة بيانات، فقد تكون منطقية تماماً. فالهدف قد لا يكون شراء الكتب الأكثر شهرة، لأن كثيراً منها متاح بالفعل بصيغ رقمية، بل اقتناء الكتب غير الموجودة في قواعد البيانات الحالية.

ولهذا قد يكون دليل هندسي متخصص من سبعينيات القرن الماضي أكثر قيمة لأغراض جمع البيانات من كتاب حديث واسع الانتشار. وهذا يعكس المفهوم التقليدي لاقتصاديات النشر، إذ قد يمتلك كتاب ضعيف الطلب في سوق التجزئة قيمة معلوماتية كبيرة.

الدور غير المتوقع للطباعة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي

بالنسبة إلى صناعة الطباعة، ربما يكون هذا الجانب هو الأكثر إثارة في القصة. فقد اعتُبرت الطباعة تقليدياً المرحلة الأخيرة في إنتاج المحتوى؛ حيث يبتكر المؤلفون المحتوى، ويقوم الناشرون بإعداده، بينما تتولى المطابع إنتاج النسخة المادية.

أما الذكاء الاصطناعي، فقد يخلق علاقة دائرية جديدة. فالمواد المطبوعة التي أُنتجت قبل عقود يمكن اليوم رقمنتها وإعادة إدخالها في الأنظمة التي تولّد محتوى جديداً.

وهذا يعني أن صناعة الطباعة أسهمت، دون قصد، في إنشاء أرشيف ضخم غير متصل بالإنترنت من المعرفة البشرية، وهو أرشيف قد تسعى شركات الذكاء الاصطناعي الآن إلى الوصول إليه.

وبالنسبة إلى مطابع الكتب والناشرين، يثير هذا التطور أيضاً تساؤلات جديدة حول إدارة الحقوق مستقبلاً.

إذا كانت الكتب تمتلك قيمة ليس فقط كمنتجات تُباع للقراء، بل أيضاً كمواد لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، فهل ينبغي للناشرين تطوير نماذج ترخيص جديدة لاستخدامها في التعلم الآلي؟

وهل يمكن أن تتحول أرشيفات الكتب والمنشورات التي توقفت طباعتها إلى أصول بيانات تجارية؟

وهل يمكن للناشرين مستقبلاً تزويد مطوري الذكاء الاصطناعي بمجموعات رقمية موثوقة ومرخصة مباشرة، بدلاً من شراء النسخ المطبوعة وإخضاعها للمسح الضوئي الإتلافي؟

وقد تفتح هذه الاحتمالات الباب أمام مصادر إيرادات جديدة بالكامل لبعض قطاعات صناعة النشر والطباعة.

ولكن ماذا يحدث للكتاب المطبوع نفسه؟

هناك جانب آخر أقل راحة في هذه القصة. فقد يكون المسح الضوئي الإتلافي (Destructive Scanning) عملياً في حالة الكتب واسعة الانتشار التي لا تزال آلاف النسخ منها متوافرة. لكن الأسلوب نفسه يصبح مثيراً للجدل عند التعامل مع الكتب القديمة أو غير المألوفة أو الإصدارات المحدودة.

فالنسخة الرقمية تحفظ الكلمات والصور، لكنها لا تحفظ بالضرورة الكتاب كقطعة مادية.

وقد تكون لنوع الورق، وأساليب الطباعة، والتجليد، والطباعة الحروفية، والملاحظات المكتوبة بخط اليد، وعلامات الملكية، وغيرها من الخصائص المادية، أهمية تاريخية كبيرة. ولذلك قد يحمل الكتاب نوعين مختلفين من القيمة.

فبالنسبة إلى مطور للذكاء الاصطناعي، قد تكمن القيمة الأساسية في النص. أما بالنسبة إلى مكتبة أو جامع كتب أو متخصص في الطباعة أو مؤرخ، فقد يكون الكتاب نفسه قطعة تراثية ذات قيمة.

وبمجرد إتلاف النسخة الأصلية، لا يمكن ببساطة إعادة إنشاء هذا التاريخ المادي انطلاقاً من ملف PDF.

وقد أوضحت Anthropic أن برامج اقتناء الكتب التابعة لها لا تستهدف الكتب النادرة أو الأثرية بهدف إتلافها. ومع ذلك، فإن المخاوف التي عبّر عنها بائعو الكتب تبرز الحاجة إلى وضع ضوابط واضحة عندما تصبح المطبوعات المادية جزءاً من مشاريع الرقمنة واسعة النطاق.

قضايا حقوق النشر لا تزال بعيدة عن الحسم

أدى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي أيضاً إلى إثارة نزاعات كبرى بشأن حقوق النشر. وفي الولايات المتحدة، قضى قاضٍ فيدرالي عام 2025 بأن استخدام Anthropic للكتب التي تم الحصول عليها بصورة قانونية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يندرج، في ظروف تلك القضية تحديداً، ضمن مفهوم الاستخدام العادل (Fair Use).

ومع ذلك، سلطت القضية نفسها الضوء على فارق جوهري بين الكتب التي تم شراؤها بصورة مشروعة والنسخ التي تم الحصول عليها من مكتبات إلكترونية غير مصرح بها.

وقد أسهمت المطالبات المتعلقة بملايين الكتب المقرصنة في نهاية المطاف في التوصل إلى تسوية بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار.

وبالتالي، فإن الرسالة الموجهة إلى الصناعة ليست أن شركات الذكاء الاصطناعي تتمتع بحرية مطلقة في استخدام الكتب. بل إن الإطار القانوني لا يزال يتطور حول قضايا تشمل طرق الحصول على المحتوى، وملكية حقوق النشر، والترخيص، والاستخدام العادل، والتعويضات.

وبالنسبة إلى الناشرين والمؤلفين وأصحاب المحتوى، ستصبح هذه القضايا ذات أهمية متزايدة خلال السنوات المقبلة.

من الصفحة المطبوعة إلى الذكاء الرقمي

لا يزال من المبكر الجزم بأن شركات الذكاء الاصطناعي تقف وراء كل طلب شراء غامض يصل حالياً إلى متاجر الكتب المستعملة. فهويات العديد من المشترين لا تزال غير معروفة، كما أن بعض الوسطاء المرتبطين بهذه الصفقات نفوا علمهم بأن الكتب التي يتم شراؤها مخصصة لعمليات المسح الإتلافي بهدف تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي.

لكن الاتجاه الأوسع بات واضحاً: الكتب المطبوعة اكتسبت أهمية استراتيجية جديدة في عصر الذكاء الاصطناعي.

فعلى مدى عقود، كانت صناعة الطباعة تخشى أن تحل التكنولوجيا الرقمية محل المطبوعات. لكن المفارقة اليوم أن واحدة من أكثر التقنيات الرقمية تقدماً في العالم قد تعود إلى عقود من المحتوى المطبوع بحثاً عن مصادر قيّمة للمعرفة.

فالدليل التقني القديم، أو الرواية المنسية، أو المرجع المتخصص الذي ظل لسنوات على رف أحد متاجر الكتب المستعملة، قد لا يكون مجرد إصدار قديم ينتظر قارئاً جديداً. بل قد يكون أيضاً بيانات.

وهذا يضع الصفحة المطبوعة في موقع غير متوقع، ولكن محوري، في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي.

المصادر

BBC Newsتقرير حول ازدهار مبيعات الكتب المستعملة واحتمال ارتباط ذلك بالذكاء الاصطناعي.

The Guardianتغطية لعمليات الشراء غير المعتادة لكميات كبيرة من الكتب في المملكة المتحدة وأيرلندا، أغسطس 2026.

The Atlanticتحقيق حول عمليات شراء غامضة للكتب المستعملة على المستوى الدولي، والوسطاء المحتملين في جمع البيانات، أغسطس 2026.

The Washington Postتغطية استندت إلى وثائق قضائية تكشف تفاصيل مشروع Project Panama التابع لشركة Anthropic وعمليات المسح واسعة النطاق للكتب المطبوعة.

The Next Webتقرير حول بائعي الكتب في أستراليا والمخاوف المتعلقة بشراء الكتب القديمة واحتمال إتلافها.

US Copyright Officeتقارير وشهادات حول حقوق النشر، وتدريب الذكاء الاصطناعي، وأسواق الترخيص الناشئة.

Authors Guildتقارير ووثائق تتعلق بتسوية حقوق النشر الخاصة بشركة Anthropic.

Natureأبحاث حول ظاهرة انهيار النماذج وتأثير تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بصورة متكررة على بيانات مولدة بواسطة نماذج أخرى.

Exit mobile version