| 



الشرق الأوسط: ارتفاع تكلفة طباعة الورق.. وعمليات النقل والتوزيع تثقل كاهل دور النشر

,

المصدر: العرب القطرية

بعد أن كان خير جليس في الزمان كتاب حسب المقولة الشهيرة، غدت التكنولوجيا هي الجليسة الأبرز لغالبية الناس هذه الأيام؛ إذ تكاد تستحوذ على جلّ وقتهم واهتماماتهم حيث طغت على معظم المظاهر الحياتية ومن ضمنها القراءة، ما دفع المراقبين للمشهد إلى القلق من أن التقنيات الرقمية باتت تشكل تهديدا وجوديّاً للكتب الورقية، لما تقدمه من سهولة بالولوج إلى المنشورات، وانخفاض أسعارها مقارنة بنظيراتها المطبوعة.

بَيْدَ أن أصحاب دور النشر والتوزيع كان لهم رأي آخر؛ إذ أكد معظمهم أنه ورغم الثورة الرقمية الحاصلة حاليا والتي طالت ميدان القراءة أيضا، إلا أن الكتاب الورقي لا يزال صامدا في وجهها، محافظا على نكهته وقيمته التي يعرفها جمهوره جيدا، منوهين بأن القارئ الحقيقي لا يحبذ المطالعة الافتراضية بالإضافة إلى أنه يهتم بشراء الكتاب دون الاكتراث لسعره.

ولفت هؤلاء، في حديث مع «العرب»، إلى أنهم يرون الموضوع من منظور إيجابي باعتبار أن الإنترنت والأجهزة الرقمية قد أسهمت بمزيد من الانتشار للكتب والمؤلفات من خلال الترويج لها عبر تلك الوسائل، بالإضافة إلى إمكانية استغلالها بشكل أوسع وتسخيرها في سبيل خدمة الكتاب بأساليب مبتكرة، خلافا للفكرة السائدة لدى البعض عن التأثير السلبي لتلك التقنيات عليه، مؤكدين أنها ما زالت تحظى بقاعدة جماهيرية كبيرة من المثقفين والمطالعين خاصة من فئة الشباب الخليجي والقطري، الذين يتمتعون بالقدرة الشرائية العالية.

وأشار أولئك، إلى ضآلة هامش الربحية بالمبيعات، عازين السبب إلى ارتفاع كلف طباعة الورق وعمليات النقل والتوزيع التي أصبحت باهظة بشكل لافت في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى تباين سعر البيع من بلد لآخر واختلاف سعر صرف عملة كل بلد على حدة، موضحين أن الربح الذي يتم جنيه في هذا المجال بالكاد يكفي لإبقاء دور النشر على قيد الحياة لا أكثر، مقدمين النصح للناشرين الباحثين عن جني الأرباح بالتوجه لتجارة أخرى بعيدا عن نشر الكتب.

فيما أوضح عدد قليل من الناشرين، أن سوق الكتب هذه الأيام تشهد عزوفا كبيرا وملموسا عمّا كان عليه الحال سابقا خاصة إذا ما قورن بالعقدين السابقين، وفقاً لما تعانيه بعض الدول العربية من أزمات وتحديات تفرض على الكتاب حصارا كبيرا يتطلب مجهودا وتكلفة أكبر لفكّه عنه.

تأثير سلبي

وبهذا الصدد، قال جاسم أشكناني، مدير عام دار بلاتينوم بوك للنشر بدولة الكويت: «إنها دار نشر شبابية خليجية الهوية عالمية الطموح؛ إذ إن أكبر نسبة من زبائنها من فئة الشباب الخليجي والقطري، حيث لدينا قاعدة هامة منهم سواء من مؤلفي الكتب إلى فريق تسويقها وحتى قرائها، وهدفنا الأساس تحويل مجتمع لا يقرأ إلى آخر يقرأ».

وأضاف: «المتابع للمشهد من الخارج يعتقد للوهلة الأولى، أن مواقع التواصل الاجتماعي قد أثرت سلبا على الكتاب الورقي وبالتالي أضعفت نسب القراءة، بَيْدَ أن المتابع من الداخل مثل دور النشر تعلم أن الواقع مغاير تماما لذلك التصور، والسبب في وجهة نظري يعود إلى تسخير وسائل التواصل الاجتماعي بالترويج للكتب الورقية».

الكتاب يدوم

وأكد أشكناني أنه ما زال للكتاب نكهته وجمهوره، بل اكتسب جمهورا إضافيا من خلال متابعة الكتّاب والمؤلفين ودور النشر الذين حققوا نجاحا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وأنستجرام وغيرها، والتي يستخدمونها بالترويج لمؤلفاتهم، لافتاً إلى أن معظمهم يؤمن بأن الكتاب الورقي أكثر ديمومة من أي وسيلة تواصل اجتماعي موجودة حاليا، لعلمهم أنه من الممكن بين ليلة وضحاها أن تظهر وسيلة جديدة تلغي الوسائل التي سبقتها كافة، بينما الكتاب بقي موجودا إلى اليوم منذ آلاف السنين وسيبقى إلى أجل طويل.

ربح زهيد

وأوضح أن الكلفة العالية لا تقتصر على طباعة الكتب فقط بل تنسحب على كل شيء من حولنا، والناس ربما تدفع مبالغ كبيرة على أشياء أقل أهمية من الكتب، إذن المشكلة ليست بسعر الكتاب إنما بقدر الاهتمام بالقراءة، حتى أن هامش الربح ليس كبيرا فمن يريد الربح الطائل لا يجب أن يتجه إلى إنشاء دار نشر.

تسخير الإنترنت

وأشار أشكناني إلى أنه يتوجب على الباحث عن الربح، إنشاء مشروع تجاري بحت بعيداً عن نشر وطباعة الكتب، لأن الهامش فيها غير مغرٍ بتاتا، ويجب أن يكون هدف الناشر ثقافيا بالدرجة الأولى، خاصة في ظل الأوضاع الحالية الدائرة بالعالم العربي وفي ظل عدم إقبال الناس على القراءة بشكل كافٍ، على عكس الدول الغربية التي تطبع فيها ألوفا مؤلفة من النسخ وتنفذ جميعها بينما هنا يطبع عدد محدود من النسخ وتعاني من ركود كبير، رغم إقبال الشباب العربي بشكل جيد على القراءة.
ورأى أشكناني أنه يجب على من يتجه للنشر أن يكون مؤمناً بالقضية، وأن يكون على يقين تام بأن الأرباح لن تكون بالمستوى المطلوب، أما بالنسبة للإنترنت فالناشر الذكي بإمكانه تسخيرها واستخدامها بالترويج لمنشوراته».

نمو نسبة القراء

وأضاف: «يمكننا القول إن نسبة القراء من دول مجلس الخليجي تتنامى، لكن يتفاوت مدى رضا الناس عن سعر الكتاب، بَيْدَ أن من يهتم بالقراءة ويقدر قيمة الكتاب الحقة لن يكترث بسعره، لكن هناك بعض الناشرين الذين يقومون برفع أسعار الكتب دون مبرر وأنا أعتب عليهم؛ إذ إنهم سينفرون بهذه الطريقة القراء المترددين بشراء الكتاب أكثر».

وبحسب أحدث التقارير الصادرة هذا الشهر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحت عنوان العمل من أجل التنمية البشرية، فقد ارتفعت نسبة مستخدمي الإنترنت في دولة قطر إلى %91.5 في تقرير 2015، حيث بلغت %81.6 في التقرير السابق الصادر عام 2014، وبهذا تتقارب في هذا المؤشر مع كل من اليابان (%90.6) وفنلندا (%92.4) والسويد (%92.5).

تراجع انتشار

ومن جانبه، قال مصطفى كامل من دار نشر مكتبة أهل الأثر بدولة الكويت: «في السنوات الأخيرة لم يعد الإقبال على شراء الكتاب كما كان في التسعينيات أو الثمانينيات على سبيل المثال؛ إذ أصبح أقل بسبب انتشار الفضائيات والإنترنت حيث أصبح التوجه للقراءة عبر الأجهزة الإلكترونية والذكية أكثر».

صعوبة التعويض

وأوضح كامل أن تكلفة الطباعة أصبحت مرتفعة جدا ففي السنتين الأخيرتين قد تضاعفت؛ حيث إن تكلفة الملزمة الخاصة بالورق تكلف حوالي 1800 ريال قطري، الآن تكون قد أصبحت 2800 ريال، وبالتالي لم يعد بالإمكان تعويض سعر التكلفة من خلال الربح الزهيد الذي يجنيه من البيع الحالي؛ حيث إن سعر الكتاب من الحجم الصغير مثلا يباع بـ50 ريالا.

فرق العملات

وأضاف: «حتى نحقق هامش ربح جيدا ينبغي أن نبيع الكتاب بـ80 ريالا على الأقل، ثم إن أسعار الكتب تتباين من بلد لآخر حيث يتم الطبع والنشر في بيروت ومن ثَمَّ يوزع إلى الدول الأخرى فيقل سعره بالسودان مثلا نظرا لفرق سعر صرف العملة بين البلدين ناهيك عن كلفة النقل المرتفعة، بالتالي فإن هامش الربح بالكاد يغطي تكاليف السفر إلى تلك الدول، بالإضافة إلى اختلاف نسبة الإقبال على الشراء من دولة لأخرى»، لافتا إلى أنه يبيع الكتب في بعض الدول العربية برأس المال، أما في دول الخليج فإن هامش الربح أفضل قليلا؛ إذ يصل إلى %25 فقط لكن المشكلة فيها هو حاجتها إلى وجود مكتبات أكثر.

عزوف عن الكتاب

ومن جانب آخر، قال سمير الجندي، من دار الجندي للنشر في مدينة القدس: «إن الدور هناك تعيش في عزلة عن العالم، رغم أنها تشهد حراكا ثقافيا وطاقات إبداعية كبيرة، بعد أن بدأنا التعامل مع القارئ عن قرب لاحظنا عزوفا ملحوظا عن الكتاب في كل المجتمع العربي عموما، لربما لأن المطالعة هي بالأساس ثقافة واعدة».

تأثير الإنترنت

وأضاف: «حتى الذين من المفترض أن يكونوا مشروع قراء من الجيل الحالي قد توجهوا إلى الإنترنت، فالطفل الذي يبلغ من العمر 10 سنوات لديه أجهزة ذكية الهاتفية واللوحية ويبدأ بالتعلق بالألعاب والتسلية بشكل عام وعدم الالتفات إلى القراءة، وهذا يحتاج إلى مراقبة فعلية من الأهل وبحاجة إلى خلق حافز للعودة إلى الكتاب»، مشيراً إلى أن الشبكة العنكبوتية قد سلبت الكثير من حق الكتاب، رغم أنني أنا شخصيا لا أستطيع الاستغناء عنه.

ولفت إلى أنه ما زال للكتاب قراء من جميع الفئات العمرية إلا أن المراهقين يتم جذبهم إلى كتب ذات فحوى تدغدغ عواطفهم ولا تستند لأقل معايير جودة الكتابة وفنها، بالإضافة إلى بيعها بسعر زهيد لاستقطابهم، والتي يتم التسويق لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي نواجه بعد فترة من الزمن جيلا ركيكا وقليل الثقافة.

كلفة الطباعة

وأشار إلى أن أكبر مشكلة تواجه دور النشر تتمثل في كلفة طباعة الورق؛ حيث إنها مرتفعة بشكل كبير، قائلا: «أنا كناشر من القدس أواجه مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن متطلبات الطباعة، تتمثل بارتفاع كلف النقل من القدس المحتلة إلى العاصمة الأردنية عمّان، بغية توزيعها في الدول العربية الأخرى بسبب الاحتلال، ويترتب على ذلك ضرورة رفع سعر الطبعة الواحدة من الكتب لنحو 4 أضعاف عن متوسط سعرها الطبيعي، لكننا نحاول أن نعوض فرق السعر بنوعية الموضوع حيث نحاول أن نتفرد بها، وزيادة على ذلك هو أننا لا نستطيع نشر كتاب غير محكم فيجب أن يمر الكتاب على لجنة تحكيم تقرر نشره من عدمه؛ ما يرتب علينا كلفة إضافية».

تعويض بالمعارض

ولفت الجندي إلى أنه ورغم الكلفة العالية للكتب الصادرة عن دار النشر خاصته، فإنها تحقق نسبة مبيعات جيدة عند المشاركة بمعارض عدة في مختلف الدول العربية بغض النظر عن سعرها المرتفع، قائلا: «إن زبائننا من طبقة معينة من القراء هم من طبقة المثقفين وبالتالي يشترون الكتاب دون النظر إلى سعره المرتفع، لكننا بالطبع لا نحقق نسبة أرباح كبيرة بل هي بالكاد تبقي دار النشر على قيد الحياة؛ إذ إن العزوف عن مطالعة الكتب يصل إلى ذروته حاليا حيث إن نسبة الأمية بالمطالعة كبيرة جدا»، مشيراً إلى أن الكتب الأكثر مبيعا في دول مجلس التعاون الخليجي هي الدينية والتراثية.

قدرة على الشراء

وأكد الجندي أن لدى الناس في قطر المقدرة الشرائية للكتاب دون الاكتراث لسعره، على عكس دول أخرى ذات دخل متدنٍّ والتي يرى قراؤها أن سعر الكتاب بات مرتفعا بشكل لافت، ويرى أن تحميل الكتاب عن الإنترنت أقل كلفة وجهدا.

وفي قطر ارتفع معدل المعرفة بالقراءة والكتابة للبالغين من الجنسين من %96.3 إلى %96.7 في تقرير 2015، وارتفعت نسبة الالتحاق بالتعليم العالي لمن هم في سن التعليم الجامعي، من %12 في تقرير 2014 إلى %14 في تقرير 2015 الصادرين عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

كلفة النقل

فيما قال عماد أبوالزلف، رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية القطرية: «مهمتنا ربط فلسطين مع الخارج ثقافيا، خصوصا المؤسسات التي لا تستطيع الترويج للكتب نظرا للظروف السائدة في فلسطين؛ إذ إنهم لا يتمكنون من تحمل تكاليف المشاركة بالمعارض الخارجية؛ إذ إنها مرتفعة جدا على ميزانية دورهم، فيكون دورنا هو نقل كل إصداراتهم إلى هنا، ومن خلالنا أصبحت منشوراتهم معروفة ومطلوبة من عدة جهات أكاديمية خاصة الجامعات؛ حيث أصبحت تتواصل معهم عن طريقنا بشكل مباشر لطلب الكتب المرغوبة».

وعي

ويرى أبوالزلف أن هناك وعيا من قِبل الشباب لأهمية الكتاب؛ إذ إن كثيرا منهم لا يرى أنه لن يحصل على الكتاب ذي القيمة والجدير بالقراءة من الإنترنت؛ حيث إنها في الغالب تحتوي على رؤوس أقلام عن محتويات الكتب لا أكثر.

الترويج إلكترونياً

وأشار إلى أنه في بعض الأحيان تتم الاستفادة من الإنترنت في خدمة الكتاب مثل الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث يتم استخدامها بالترويج للكتب الأكثر مبيعا وأين أماكن تواجدها، وما هي أسعارها بحيث تعطي القارئ التفاصيل الكاملة في حال فكر بالشراء، ومن المفترض أن تسير الدول العربية على نفس الخطى في سبيل دعم الكتاب وتكثيف الحملات الترويجية له عبر الشبكة العنكبوتية، بالإضافة إلى زيادة إقامة المعارض الخاصة بالكتاب.

أسعار مقبولة

ولفت أبوالزلف إلى أن أسعار الكتب مقبولة جدا مقارنة بنوعية المادة التي تحتويها ومستوى المؤلفين المحترفين الذين تنشر كتاباتهم، بالإضافة إلى أن هذا السعر لا يحقق هامش ربح مناسبا لدار النشر مقارنة مع كلفة الطباعة والنقل والتوزيع، قائلا: «مع ذلك فإننا نواجه زبائن يقومون بالمفاصلة على السعر بهدف تخفيضه أكثر وأحيانا يستجيب لذلك».

وأوضح أن هناك قراءً ما زالوا يقتنعون بأن الكتاب هو مصدر المعلومات ولا يعتمدون على الإنترنت، قائلا: «أنا أجد أن مستقبل الكتاب ليس في خطر كما نتصور بوجود الإنترنت والأجهزة الذكية، بل بالإمكان استغلالها في نشر الكتاب وتوزيعه»، معتبرا إياها عاملا مساعدا وليست بديلا عن الكتاب.

وتقدم هذه المعطيات مؤشرات إيجابية على عدم غلبة التقنيات الرقمية على الكتب المطبوعة حتى اليوم، والدليل أن الأجيال الحالية ما زالت تقبل على شراء الكتاب الورقي واقتنائه، ما يعطي جرعة تفاؤل للمراقبين بأنه بالإمكان لكليهما الاستفادة من بعضها البعض لضمان تعايشها واستمراريتها على الأمد البعيد، للاطمئنان على المستقبل الثقافي للأجيال القادمة.

التعليقات

comments powered by Disqus

مجلة مي برنتر

أحدث التدوينات