| 



أكشاك الصحف في شارع الحمراء في بيروت

حكاية ما بين تاريخ عريق ومصير مجهول

,

إنها السادسة صباحا في العاصمة اللبنانية بيروت وها هو شارع الحمراء التاريخي يعيش لحظاته اليومية الأولى التي تمتليء بأبواق السيارات وأحاديث المارة وزحمة أصحاب المحال التجارية وأيضا أصوات أصحاب أكشاك الصحف والمجلات وهم منهمكون في عرضها بإنتظار الزبائن الدائمين.

وأمام هذا الكشك الصغير يقف أبو محمد السبعيني بصبر بإنتظار الحصول على صحيفته المفضلة التي يقرأها بإنتظام منذ أكثر من 40 عاما. ويؤكد لرويترز أنه لا يستطيع بدء يومه قبل الغوص في الصحيفة وأخبارها "وما زلت أشعر بالسعادة المطلقة التي كانت تخالجني شابا وانا أقلب الصفحات بين يدي".

ويعتبر أبو محمد تماما كعشرات غيره من رواد شارع الحمراء من الزبائن الأوفياء لأكشاك الصحف. ومعظمهم يتنقل بين الأكشاك الممتدة على رصيفي الشارع دون تمييز فيما بينها وان كانوا يفضلون صحيفة أو أخرى.

وفي حين ارتبطت هذه الأكشاك التي يرى البعض ان لا غنى عنها بتاريخ الشارع وذكرياته وأيام عزه غير أن عددها إنحسر اليوم لاسيما في ظل إقتحام التكنولوجيا حياة الشبان بسرعة والتي يعتبرها البعض مقلقة بعض الشيء.

ويعرب أصحاب الأكشاك عن خشيتهم من إنقراض هذه الخدمة إذا إستمر الحال على ما هو عليه لا سيما وأن قراء الصحف والمجلات الذين يقصدونها هم في غالبيتهم من المسنين الذين ما زالوا يتعاملون مع الصحف وكأنها الحبيبة الاولى.

ويعلق أبو محمد فيما هو يتأبط صحيفته مقدما النقود لصاحب الكشك "لا أفهم إصرار البعض على الإستعاضة عن الصحيفة أو المجلة بشاشة الكومبيوتر. هؤلاء لا يفهمون سر القراءة وجمالها".

يقاطعه صاحب الكشك حسان دكروب قائلا "هذه المصلحة أنا اطلق عليها صفة المرض النفسي. أمارسها مذ كنت في الثامنة من عمري. دربني والدي الذي عمل فيها طوال حياته عندما أقفلت المدارس أبوابها خلال أولى فترات الحرب الأهلية في لبنان" التي اندلعت على مدى 15 عاما بين 1975 و1990.

وفي أحد الممرات يروي دكروب أنه وصل إلى "مرحلة اليأس بعدما تضاءلت نسبة القراء إلى درجة ملحوظة ولهذا السبب قررت ان أترك المصلحة. ولكنني عدت اليها بعد ثلاثة أيام من مكوثي في المنزل لأنني لم أتمكن من العيش من دونها".

ويضيف قائلا "وحدهم بعض المسنين يقرأون الصحف وما أن يموتوا حتى أقفل الكشك ...كان لهذه المصلحة أيام عزها في الماضي وأذكر أن والدي اشترى بفضلها الاراضي والبيوت وذلك طبعا قبل وقوع الحرب".

ويسرد دكروب "كان الناس يتهافتون على قراءة الأخبار وأذكر على سبيل المثال أن مجلة الحوادث كانت تصدر مساء كل اربعاء وكان والدي يبيع في الليلة الواحدة 1200 نسخة منها. قبل الحرب كان والدي يفتح الكشك من التاسعة ليلا حتى الواحدة من بعد منتصف الليل. اليوم أفتح الكشك عند السادسة والنصف لاقفله في تمام الثانية من بعد الظهر في وقت يكون اليأس قد تملكني كليا".

وعلى بعد خطوات من الكشك يجلس صحافي قديم في أحد المقاهي واضعا صحيفته اليومية على الطاولة إلى جانب قدح من القهوة يحتسيه بهدوء.

يروي بين رشفة وأخرى "أكشاك الصحف الحقيقية لنَقُل الأصلية لم تولد في بيروت بل هي منقولة عن أرقى عاصمة في أوروبا باريس التي كان يطلق عليها لقب أم الأكشاك. وأكشاك الصحف في بيروت تكاد تكون نسخة طبق الأصل من أكشاك باريس ولكنها برأي منسوخة بشكل غير دقيق."

وأضاف "برز أيضا في سبعينيات القرن الماضي الباعة المتجولون في شارع الحمراء وجواره. ولان عددهم كان قليلا كانوا يعملون بنشاط كبير وكانت تربطهم صداقة متينة مع الزبائن."

أما نعيم صالح الذي يعتبره البعض من أهم أصحاب الأكشاك وأكثرهم شعبية فيقول لرويترز "كنت لا ازال في المدرسة عندما صرت أساعد والدي في توزيع الصحف والمجلات قبل بدء الصف.

"الحمراء في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت مختلفة تماما عما آلت اليه اليوم. كان الناس يتعطشون لمعرفة الخبر. لم نكن في وارد التكنولوجيا. اليوم وحده المسن يعرف قيمة الاكشاك ويحافظ عشرات منهم على نمط التفكير عينه. اولادي الثلاثة تخرجوا من اهم الجامعات ومع ذلك لم اشاهدهم يوما يقرأون صحيفة أو أخرى. فهم يتابعون الأحداث وتطوراتها من خلال الالواح الالكترونية أو الهواتف الذكية".

ومضى يقول "كان الناس يتهافتون على شراء الصحف ما ان تصدر ليلا وما ان يخرجوا من دور السينما والمقاهي. ورجال السياسة كانوا ينادوننا بالاسماء وكانت تربطنا بهم علاقة صداقة.

"بعض أصحاب الاكشاك كانوا ينتظرون أمام باب مطبعة أو أخرى ليلا ليحصلوا على صحيفة أو أخرى فور طباعتها يعني طازة".

المصدر: رويترز

التعليقات

comments powered by Disqus

مجلة مي برنتر

أحدث التدوينات