| 



لبنان: أكشاك الصحف اصبحت معلماً اساسياً من معالم بيروت

بالرغم من انحسار عدد الأكشاك، لكنها باقية بقوة في شارع الحمرا بذاكرة كل من يزوره صغاراً وكباراً

,

المصدر: جريدة الثبات

يستقيظ شارع الحمرا في بيروت كل يوم على وقع أصوات أكشاك الصحف والكتب الصغيرة التي تتوزع على جنباته، وسرعان ما يبدأ جلسته الصباحية مع أصحاب هذه الأكشاك ومحتوياتها، فيرتشف قهوته المفضلة، بينما يتصفح مجموعة كبيرة من الجرائد والمجلات اليومية والأسبوعية، التي تبدأ بالخروج تباعاً لتحتل مكانها على واجهة الأكشاك وأدراجها.

رواد شارع الحمرا ليس لهم غنى عن هذه المعروضات التي تغري الناظر بالتوقف، إما للشراء أو للتصفح، بينما الباعة الذين عهدوا الشارع وأبناءه ورواده منذ سنوات طويلة، لا يعترضون سبيل أحد، فالمعرفة للجميع، وأكشاكهم محطة يومية للكثيرين، شراة أو متصفحين، هي باتت معلماً أساسياً من معالم هذا الشارع العريق، صحيح أن المقاهي الثقافية التي كانت تجمع جمهوراً من محبي القراءة قد ارتحلت تدريجياً، إلا أن الأكشاك أبت أن تفارق الشارع وعقدت هدنة مع طابعه التجاري بينما هي تمسكت بجذورها الثقافية.

ارتبطت هذه الأكشاك التي انحسر عددها اليوم، لكنها باقية بقوة في الحمرا بذاكرة كل من يزوره صغاراً وكباراً، حتى أن القرار الذي صدر قبل عامين بضرورة إزالتها لأن أصحابها لا يحملون التراخيص، سرعان ما جوبه بالرفض ووضع في الأدراج بعد حملة واسعة ضد بلدية بيروت، علماً أن أصحاب الأكشاك يؤكدون أنهم يدفعون ما يترتب عليهم للدولة من رسوم وإيجارات، لكنهم عاجزون عن دفع ثلاثة آلاف دولار سنوياً للبلدية، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى دخلهم المتواضع، في هذا السياق، يقول نعيم صالح؛ صاحب أحد الأكشاك الموجودة في الشارع البيروتي الشهير منذ 40 سنة: "لم نكن يوماً ضد القانون، ونحن نريد دفع رسومنا، لكن بما يتناسب وطاقتنا الإنتاجية، جميع رواد الشارع يحبوننا، ولم يشتك منا أحد".

المهم أن الأكشاك بقيت في وجه كل المحاولات لإزالتها، وبدا أن هناك اتفاقاً عاماً يلحظ وجودها كواجهة جميلة في بيروت وكإرث يشهد على تاريخ هذا الشارع الثقافي.

لكن للأسف يجمع أصحاب الأكشاك، على أن الأوضاع "تزداد تراجعاً، كنا نبيع آلاف الصحف يومياً، أما في هذه الأيام فنبيع تقريباً 150 عدداً في كل كوخ.. لقد تراجع عملنا وبتنا مهددين بالإقفال"، وربما يعود السبب الأول إلى أن الكثيرين باتوا يفضلون اليوم قراءة صحيفتهم عبر هاتفهم الذكي أو الكمبيوتر المحمول أو الآي باد.

لكن في المقابل، هناك قراء كثيرون.. داوموا على عشق رائحة الحبر والأوراق، وهم يجدون لذة في ملمس ورق الصحف والكتب وهي بين أياديهم، ولا يستطيع الشخص المتجول منهم صباحاً أو مساء في الشارع الشهير، إلا أن يتوقف هنا وهناك عند أكشاك الصحف والمجلات والكتب بألوان أغلفتها وألوانها وعناوينها الملفتة للنظر.

حتى أن بعض الزبائن القدامى لهذا الكشك ممن سافروا واغتربوا سنوات طويلة خارج بيروت، يزورون هذا الكشك أو ذاك بعد طول غياب، ليتساءلوا أين فلان وفلان الذي كنا نشتري منه الصحف مثلاً؟

يومياً، يرتب نعيم صالح المجلات ويعلق صحفه جيداً على واجهات كشكه، ليبدأ نهاره بابتسامه حلوة لاستقبال الزبائن وقراء الصحف المحلية، وبفنجان من القهوة ومطالعة الصحف شخصياً.. وحول هذه العادة اليومية يوضح: "ليس من المعقول أن أبيع الجرائد اليومية دون أن أعرف ما بها من أخبار ومواضيع صحفية هامة، وذلك من باب التثقيف الذاتي وحب المعرفة وما يدور عندنا وحولنا من أحداث وأخبار ومستجدات سياسية واجتماعية واقتصادية، وحتى الخدماتية.. فهناك من الناس ممن يسألون محتويات بعض الصحف والمجلات  وعادة ما أجيبهم".

ومن خلال مطالعاته وقراءاته لهذه الصحف، فإن صالح يشعر أنها قد ساهمت بتشكيل ذائقته الثقافية التي عادت عليه بأثر إيجابي، بطريقة تعامله مع القراء والزبائن والمشترين، حتى أصبح لديه العديد من الصداقات والمعارف الذين يعتز بهم.. ومن هذا، فقد صار كشك الصحف جزءاً هاماً من حياته اليومية التي يعيش من خلاله أيضاً مع الأخبار والصور من أحداث مؤلمة ومفرحة تُجرى في هذا العالم المترامي الأطراف والصغير جداً عبر الصحف وأخبارها .

وبسؤالنا له: إلى ماذا تتجه النساء والفتيات في المطالعة والقراءة، أشار إلى أن معظمهن يتجهن في قراءاتهن إلى المجلات الفنية، والمعنية بالأزياء، والروايات بمختلف أنواعها مثل الرومانسية كروايات عبير المترجمة للعربية، وهي روايات على شكل كتب جيب صغيرة الحجم.. ثم الروايات الحديثة، والتي تذاع شهرتها في وسائل الإعلام والصحافية مثل روايات أحلام مستغانمي وباولو كويلو وروايات أغاثا كريستي، كذلك الكتب الحديثة والتي تخصصت في علم الإنسان وسلوكه كالطرق التي توفر له النجاح والسعادة في مشوار حياته الشخصية والمهنية تلك الكتب والتي أكثرها أجنبية مترجمة للعربية، عدا الكتب العربية للخبراء في هذا المجال.

على غرار أرقى عواصم العالم، ومنها باريس، تنتشر على أرصفة الحمرا أكشاك الصحف التي ظهرت قبل عقود، فكل الأكشاك التسعة موجودة في الحمرا منذ 1968، إضافة إلى كشك في منطقة الكولا، مرخص لها من المحافظة منذ العام 1990 وتعمل قي شكل قانوني، على أن يتجدد الترخيص سنوياً وتستوفي المحافظة الرسوم المتوجبة على أصحاب الأكشاك، ويذكر أنه في العام 1990، رخص وزير الداخلية يومها سامي الخطيب لبائعي الصحف والمجلات كي يفتحوا أكشاكاً لهم في شارع الحمرا، على أن يدفعوا ما يستحق عليهم من ضرائب سنوية لبلدية بيروت، ورسوماً رمزية لا تتعدى الـ100 ألف ليرة لبنانية، وبعد سنة قررت البلدية أن تزيد المبلغ، إذ ربطت بين القيمة المتوجب دفعها وحال الشارع حيث الكشك، أي أن تصبح الضريبة تصاعدية، فكلما تحسن وضع الشارع وزاد سعر بيع المتر فيه تزيد قيمة الرسوم التي تختلف بحسب موقع الكشك في الشارع بين أوله وآخره، إلى أن راوحت قيمة الضريبة بين 3 و4 ملايين ليرة لبنانية، مما لا طاقة لأصحاب الأكشاك على دفعه.

الأكشاك الالكترونية

يبدو أن بقاء أكشاك الصحف ليس مهدداً من قبل قرار رسمي بالإزالة فحسب، بل هناك منافسة الكترونية شرسة تهدد أرزاق أصحاب الأكشاك، ففيما عرف بـ"الأكشاك الالكترونية"، أعلن "ناشرو المطبوعات الالكترونية" في أمستردام في هولندا اختراع آلة تستقبل رقمياً، بواسطة الأقمار الاصطناعية، قرابة 500 صحيفة يومياً، بمختلف اللغات، بما فيها العربية، وتخزنها في ذاكرتها الالكترونية.

وستكون صحيفة "النهار" اللبنانية من بين الصحف العربية المتوفرة على الآلة الرقمية، وبحسب المعلومات، فإن هذه الآلة مزودة ببرنامج الكتروني يمكنها من طباعة أي صحيفة لطالبها خلال دقائق، فتخرج من الآلة نسخة شخصية، "ساخنة" يتأبطها صاحبها ويمضي دون حاجة إلى طباعة الصحيفة، وشحنها، وتجشم عناء تخليصها لدى الجمارك في المطارات، أو خضوعها للمراقبة، فضلاً عن توفير متاعب توزيعها، ثم جمع المرتجع غير المبيع منها، فضلاً عن محاسبة الموزع وأداء العمولة له.

وتعتمد هذه التكنولوجيا على تقدم الإنترنت وتكنولوجيا المواصلات، وقال "الناشرون" إن شركتهم "طورت وسيلة الكترونية لتوزيع الصحف، وكذلك لمفهوم النشر المعاصر"، وأضافوا أن المقر الرئيسي للشركة هو هولندا، وستعتمد الأسلوب الرقمي في نقل صفحات "أكثر الصحف تأثيراً في العالم" بواسطة الأقمار الاصطناعية إلى "أكشاك" صحف الكترونية، وقد أطلقوا على هذا الكشك اسم "وحدة بيع الصحف"، وذلك على غرار الآلات التي تبيع المرطبات والحلوى والسجائر بمجرد إدخال قطعة من النقود فيها.

وفي وسع هذه الآلة طباعة أي صحيفة يطلبها القارئ خلال دقائق، وقد وضع كشكان في فندقين في أمستردام، على أساس اختباري، ويضم الكشك حالياً مجموعة من الصحف العالمية الكبرى التي "تطير" إلى أمستردام فجر كل يوم بواسطة الأقمار الاصطناعية، في حجم نصفي قريب من حجم الملحق وبإخراج خاص يضم محتويات الجريدة كاملة باستثناء الإعلانات، ويتوقع "الناشرون" استثمار هذه الآلة تجارياً خلال سنتين.

وتتلقى الشركة رقمياً، عبر الأقمار الاصطناعية طبعات الصحف في مقرها الرئيسي في أمستردام، وتواصل تلقي الطبعات المختلفة على مدار الساعة، وطوال أيام الأسبوع، ثم "توجه" هذه الصحف بواسطة الأقمار الاصطناعية، كذلك وهي لا تزال في شكلها الرقمي إلى وحدات التوزيع المنتشرة في أنحاء العالم، وتتلقى وحدة إدارية الكترونية في المقر الرئيسي للشركة تقريراً يومياً بحركة البيع في كل الوحدات بواسطة شبكة هاتفية.

المصدر: جريدة الثبات

التعليقات

comments powered by Disqus

مجلة مي برنتر

أحدث التدوينات